تجربة الطبيب :<p>تجربة السفر من أفضل الأشياء التي حصلت في حياتي كونها سمحت لي بأن أحتكّ بأناس وثقافات مختلفة.<br />
بالطبع لها ضريبة كبيرة وهي خسارة المحيط المألوف والحالة الاجتماعية وضغوطات تتعلق بالقلق الوجوديّ والاندماج، ويختلف حجم هذه الضريبة من شخص لآخر.<br />
بتجربتي استطعت أن أكوّن صداقات مع أشخاص سوريين وعرب وألمان، وأن أسافر في أوروبا وأتعرف على ثقافات أخرى، ولكن بالطبع هناك أجزاء من التجربة الإنسانية في سورية يحن لها المرء كونها مميزة لهذا المجتمع.</p>
<p>أنا الدكتور أُبيّ نورس خَضرة، من مواليد 1990، من قرية مريمين بريف حمص، نشأت وكبرت بمنطقة الضمير بريف دمشق وفي الثانوية درست بمدرسة المتفوقين في دوما.<br />
بدأت دراسة الطب البشري عام 2008 في جامعة البعث، وفي عام 2012 انتقلت إلى جامعة تشرين وتخرجت منها عام 2015، ثم سافرت بعدها مباشرة إلى ألمانيا.<br />
بدأت العمل بـ الطب النفسي في ألمانيا عام 2017 بمدينة بريمن، ومن ثم ركزت جهدي على التعديل وعاودت العمل بالطب النفسي في عام 2020 في المشفى الجامعي بمدينة إيسن.<br />
كان الطب البشري أحد رغباتي، ولكن كان لدي ميول أيضاً لطب الأسنان وبشكل أكبر للهندسة المعلوماتية، لكن عند الاختيار وبحكم وجود اختيار الطب البشري نتيجة علامة البكالوريا قررت أن أدخله. </p>
<p>اللغة:<br />
بعد وصولي إلى ألمانيا وبحكم أن رغبتي من السنة الثانية كانت السفر إلى أمريكا والتحضير للستيبات فقد كان تركيزي على اللغة الإنكليزية، ولكن بسبب صعوبة الحصول على فيزا لأمريكا قررت تغيير وجهة السفر وألمانيا كانت المرشح الطبيعي.</p>
<p> رحلة السفر حتى الاستقرار:<br />
أعتقد أن الحظ حالفني نسبياً بموضوع السفر في ذلك الوقت، فبمساعدة صديق ألماني قدمت على الفيزا خلال السنة السادسة على أساس تعديل الشهادة ودراسة الطب بألمانيا وحصلت عليها بعد التخرج. <br />
حضرت دورات اللغة بشكل مكثف وخلال ثمانية أشهر حصلت على شهادة C1، وبدأت بعدها بستاجات في الجراحة العامة والنسائية والتوليد لأحتكّ بالنظام الطبي الألماني وبعدها بدأت العمل بمدينة بريمن لمدة سنتين، وخلال العمل قمت بمحاولة غير ناجحة لتقديم امتحان الكينتنسه، ومن ثم جاءت فترة التعديل التي طالت بسبب مشاكل تنظيمية بنقابة الأطباء وبعدها تقدمت للامتحان ونجحت وانتقلت إلى إيسن.</p>
<p>حـول الاختصاص والسّفـر:<br />
لم أكن من الراغبين بالطب النفسي خلال الدراسة الجامعية، ولكن عدم رغبتي تعود إلى قلة المعلومات والاطلاع وضعف هذا القطاع ببلدنا وعدم تدريسه بالشكل المناسب، بالإضافة إلى عدم وجود ستاج حقيقي لرؤية طبيعة العمل عن كثب، ولكن لدي اهتمام خاص بعلم النفس والتاريخ والدين، بالإضافة إلى ترجمتي لقسم من كتاب بعلم النفس الاجتماعي خلال مرحلة الدراسة، وبوجود فرصة للأجانب بألمانيا لدخول هذا الاختصاص؛ تشجعت وتغلبت على مخاوفي المتعلقة باللغة الأجنبية بالإضافة إلى أنه أول عمل لي ك طبيب، لكن وجود نظام كبير متعدد الطبقات للصحة النفسية في ألمانيا زاد اهتمامي وجعلني متعلقاً بالاختصاص. <br />
اختصاص الطب النفسي في ألمانيا:<br />
الطب النفسي كاختصاص يستمر لمدة 5 سنوات،<br />
4 سنوات منها بالطب النفسي وسنة بالعصبية، وعكس هذا باختصاص العصبية. <br />
يجب على الطبيب العمل لمدة سنتين على الأقل بالأجنحة بالمشافي وربما سنتين بالعيادات، سواء تابعة للمشافي أو عيادات أصغر، طالما أن الطبيب صاحب العيادة يمتلك تصريحاً من نقابة الأطباء يسمح له بالتدريب.<br />
خلال الأربع سنوات يمكن أن يعمل الطبيب بأربعة أقسام رئيسية وهي الطب النفسي العام والإدمان والمجال العلاجي (مرضى الاكتئاب والاضطرابات الشخصية) وأخيراً مجال الطب النفسي لأمراض الشيخوخة.<br />
في المشافي بشكل عام يوجد أجنحة وعيادات نهارية وعيادات خارجية. <br />
يوجد أيضاً Logbook على الطبيب أن ينجزه، فيه سيمينارات ودورات بمجالات مختلفة والقيام بالعلاج النفسي لساعات محددة وما يسمى بالتجربة الذاتية، أي أن يكون الطبيب أو المعالج هو المريض وليكن مثلاً مطلوب 160 ساعة. <br />
الامتحان النهائي سهل نسبياً، وهو عبارة عن امتحان شفهي مع 3 أساتذة يسألون عن أي شيء في الطب النفسي، من معايير تشخيص الاضطرابات للعلاج الدوائي والنفسي وانتهاءً بالمستقبلات الدماغية والنواقل.<br />
ويمكن أيضاً أن يسألوا عن القوانين الناظمة مثل قانون المرضى النفسيين psychKG والقوانين الأخرى المتعلقة بوضع المرضى النفسيين الذين يرتكبون جرائم بمصحة نفسية خاصة اسمها Forensik.</p>
<p>الإيجابيات:<br />
الضغط في هذا الاختصاص أقل من الجراحة والداخلية من ناحية ساعات العمل رغم أنها تصل إلى خمسين ساعة خلال الأسبوع، أو من ناحية وجود خطر مستمر على حياة الناس.<br />
طبعاً فيه تواصل أكبر مع المرضى ككينونات وليس كأجسام ومجموعة تفاعلات كيميائية، وبالتالي من الممتع معرفة قصص المرضى وتفاصيل حياتهم.<br />
هو اختصاص فيه نقص في ألمانيا ومرغوب وفيه فرص مختلفة للعمل مثل المشافي والعيادات ومنشآت إعادة التأهيل والعمل كطبيب متعاقد بشكل حر وكتابة الشهادات أو التقارير الطبية للمحاكم. </p>
<p>السلبيات:<br />
من الممكن نتيجة ضعف اللغة الألمانية وتحديداً بالبداية أن يقع الطبيب بموقف محرج لغوياً، وبالتالي أن يتعرض لعنصرية من مريض ما، لكن عموماً لا يوجد قبول لأي عنصرية ضمن إدارات المشافي. <br />
من السلبيات أيضاً كثرة الكتابة والورق، كون الطبيب النفسي يحتكّ بالشرطة وبتعامل بشكل كبير مع المحاكم. لكن بألمانيا يجب أن يتم توثيق كل شيء وبالتالي مثلاً قبول مريض عنيف بحالة ذهانية ضد رغبته بجناح مغلق وضرورة إعطائه الأدوية وريدياً قد يكلف الطبيب ساعة إضافية لتدوين كل شيء واستخراج قرار أولي من المحكمة، بالإضافة إلى صعوبة الفصل بين الحياة العملية والحياة الشخصية، من الممكن أن يطلب أي شخص الاستشارة النفسية خارج أوقات الدوام ومن المفروض أن يكون الشخص خارج أوقات الدوام إنساناً طبيعياً، فالأمر مرهق ويجب أن يحاول الطبيب أن يضع بعض القيود مع الناس.</p>
<p>المردود المادي: <br />
أزعم بأن التعامل مع هموم الناس وأوجاعها ومشاكلها والجانب المظلم للوجود الانساني متعب أكثر من الاختصاصات الجسدية إلى حدٍّ ما، لكن هو اختصاص مردوده مقبول جداً كاختصاصي وطبعاً أعلى من دخل الطبيب النفسي بسورية.</p>
<p>منصة أوبستان التي أطلقها الدكتور أُبيّ: <br />
فكرة المنصة موجودة منذ عام 2018، لكن الظروف لم تساعدني أن أبدأ بشكل حقيقي إلا ببداية 2021. <br />
والذي شجعني بشكل أساسي هو انتشار العلم الزائف بمجال علم النفس والطب النفسي بشكل كبير بين العرب وهذا الشيء واضح جداً على الانترنت، بالاضافة إلى وجود الكثير من الصفحات أو المجموعات التي تدعي العلم بالشيء ولكن معلوماتها خاطئة أو غير دقيقة أو مجتزأة.<br />
لذلك رغبت بإنشاء مصدر للمعلومات الموثوقة قدر الإمكان وأن أضيف للمكتبة العربية محتوى مفيداً، ومع الوقت توسعت المكتبة وتطورت المنصة وأضفنا لها اختبارات نفسية وشبكة معالجين، وحديثاً بدأت بمشروع لترجمة المبادئ التوجيهية الألمانية للغة العربية ولدي زميل طبيب سوري انضم للمشروع.<br />
ولا بدّ من التأكيد على أن أوبستان منصة أي موقع وليست صفحة على الفيسبوك إذ يخطئ الكثيرون بهذه النقطة.<br />
خلال الأيام الأولى بعد الزلزال بسورية وتركيا شكلنا فريق عمل لتقديم الدعم النفسي عبر الانترنت للمحتاجين واستفاد من هذه الخدمة تقريباً 150 سوري من مختلف مناطق سورية.<br />
المنصة تهدف لتوسيع خدماتها بشكل مستمر ليستفيد منها الاختصاصيون والأشخاص العاديون والباحثون عن مساعدة والاستمرار بتقديم المعلومات عبر كل وسائل التواصل الاجتماعي. <br />
ولا بد من التنويه على أنه بعد مبادرة المنصة كاستجابة طارئة للزلزال استمر عدد من المعالجين بتقديم خدمة الاستشارة المجانية لمرة واحدة للسوريين بداخل سورية ومحيطها.<br />
يسعدني أيضا أن أُعلم المهتمين أنّ منصة أوبستان تفتح باب التطوع للطاقات الشبابية الراغبة في الانضمام لفريق التدقيق والترجمة والذين يتلقون تأميناً صحيّاً نفسياً كمقابل لعملهم رغبة منا في تعميق وتوسيع الصحة النفسية.<br />
بالطبع أنصح المهتمين من طلاب الطب بالاختصاص لأنه اختصاص ممتع حقاً ومن الممكن للشخص الاستمرار فيه بعمر متقدم.<br />
لم أعمل بالطب النفسي في سورية، لكن قطاع الصحة النفسية بسورية عموماً وللأسف مترهل لأسباب كثيرة وبحاجة تطوير مقارنة بدول أخرى بظل الحاجة للرعاية الصحية النفسية بالقرن الـ 21، وبألمانيا يمكن أن يكتسب الطبيب خبرات وينقلها لبلده لاحقاً. <br />
هو اختصاص بدأ بالتبلور بنهاية القرن الـ 19 وبدايات القرن الـ 20، لذلك هنالك مجال كبير لتطويره ولا يزال هناك حاجة للبحث العلمي، والأدوية فيه تزداد، والأخيرة عددها أقل من اختصاصات أخرى. <br />
أهم شيء أتوقعه من وجهة نظري أنه آخر اختصاص ستسيطر عليه الآلة والذكاء الاصطناعي، لذلك فيه أمان نسبي.</p>
<p>طموحي هو أن أقدم شيئاً يبقى أثره بعد اندثار وجودي الفيزيائي. <br />
هواياتي التصوير ومحاولة تعلم أشياء جديدة وأحياناً الألعاب متل PUBG <br />
لو لم أدخل الطب لكنت حتما سأختار المعلوماتية.<br />
لا يوجد مرحلة أجمل من غيرها بفارق أن أقول عنها أجمل.<br />
أنا عشت تقريباً سنتين ونصف كطالب جامعة قبل بدء الحرب، كانت مرحلة جميلة حقاً، ومرحلة سكني بمدينة بريمن كانت مميزة بالنسبة لي وتعلمت فيها كثيراً.<br />
قدوتي بالحياة كل الرواد بمجالاتهم الذين قدموا أشياء جديدة للبشرية وتحديداً العصاميّون منهم. </p>
<p>ختامـاً: <br />
كلمـة منـك لفريـقِ حكيمك دليلك:<br />
أقدّر العمل التطوعي عموماً وخلال فترة الدراسة خصوصاً، كونه يغني الإنسان بوقت مهم من تطوره النفسي، لكن للأسف لم يكن هناك إمكانية لهذه الاشياء في الجامعات التي درست فيها بذلك الوقت بالشكل الموجودة فيه الآن بالكليات الطبية بسورية.<br />
لكن من تجربتي البسيطة أقدّر الجهود الكبيرة التي يبذلها المتطوعون والتعب لتخطيط وتنسيق كل هذا العمل، بالنهاية أشكركم على لطافتكم وتعاملكم الجميل.</p>
<p> إعــداد:<br />
شهد قُصيّ أحمد</p>